Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:271
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ المُقِلِّ إلى الفَقِيرِ في سِرٍّ» “ وقالَ أيْضًا: ”«إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلًا في السِّرِّ يَكْتُبُهُ اللَّهُ لَهُ سِرًّا فَإنْ أظْهَرَهُ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ وكُتِبَ في العَلانِيَةِ، فَإنْ تَحَدَّثَ بِهِ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وكُتِبَ في الرِّياءِ» “ وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: ”«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: أحَدُهم رَجُلٌ تَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَلَمْ تَعْلَمْ شِمالُهُ بِما أعْطاهُ يَمِينُهُ» “ وقالَ ﷺ: ”«صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» “ .
ورابِعُها: أنَّ الإظْهارَ يُوجِبُ إلْحاقَ الضَّرَرِ بِالآخِذِ مِن وُجُوهٍ، والإخْفاءَ لا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإخْفاءُ أوْلى، وبَيانُ تِلْكَ المَضارِّ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ في الإظْهارِ هَتْكَ عِرْضِ الفَقِيرِ وإظْهارَ فَقْرِهِ، ورُبَّما لا يَرْضى الفَقِيرُ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّ في الإظْهارِ إخْراجَ الفَقِيرِ مِن هَيْئَةِ التَّعَفُّفِ وعَدَمِ السُّؤالِ، واللَّهُ تَعالى مَدَحَ ذَلِكَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧٣] .
والثّالِثُ: أنَّ النّاسَ رُبَّما أنْكَرُوا عَلى الفَقِيرِ أخْذَ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، ويَظُنُّونَ أنَّهُ أخَذَها مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْها، فَيَقَعُ الفَقِيرُ في المَذَمَّةِ والنّاسُ في الغَيْبَةِ.