Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:263-265
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها، وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي وقْتَ كِتابَةِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ ثَباتَ القَلْبِ لا يَحْصُلُ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ، عَلى ما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٨] فَمَن أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اطْمِئْنانُ القَلْبِ في مَقامِ التَّجَلِّي، إلّا إذا كانَ إنْفاقُهُ لِمَحْضِ غَرَضِ العُبُودِيَّةِ، ولِهَذا السَّبَبِ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في إنْفاقِهِ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٩] ووَصَفَ إنْفاقَ أبِي بَكْرٍ فَقالَ: ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [اللَّيْلِ: ١٩، ٢٠، ٢١] فَإذا كانَ إنْفاقُ العَبْدِ لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ الحَقِّ لا لِأجْلِ غَرَضِ النَّفْسِ وطَلَبِ الحَضِّ، فَهُناكَ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ، واسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ لِنَفْسِهِ مُنازَعَةٌ مَعَ قَلْبِهِ، ولِهَذا قالَ أوَّلًا في هَذا الإنْفاقِ إنَّهُ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ .
وخامِسُها: أنَّهُ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، أنَّ تَكْرِيرَ الأفْعالِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المَلَكاتِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مَن يُواظِبُ عَلى الإنْفاقِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ مِن تِلْكَ المُواظَبَةِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: حُصُولُ هَذا المَعْنى.