Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:263-265
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَعْلُومِ أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ عَمَلَ هَذا باطِلًا أنَّهُ دَخَلَ في الوُجُودِ باطِلًا، لا أنَّهُ دَخَلَ صَحِيحًا، ثُمَّ يَزُولُ؛ لِأنَّ المانِعَ مِن صِحَّةِ هَذا العَمَلِ هو الكُفْرُ، والكُفْرُ مُقارِنٌ لَهُ، فَيَمْتَنِعُ دُخُولُهُ صَحِيحًا في الوُجُودِ، فَهَذا المَثَلُ يَشْهَدُ لِما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وأمّا المَثَلُ الثّانِي وهو الصَّفْوانُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ غُبارٌ وتُرابٌ ثُمَّ أصابَهُ وابِلٌ، فَهَذا يَشْهَدُ لِتَأْوِيلِهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الوابِلَ مُزِيلًا لِذَلِكَ الغُبارِ بَعْدَ وُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ، فَكَذا هَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَنُّ والأذى مُزِيلَيْنِ لِلْأجْرِ والثَّوابِ بَعْدَ حُصُولِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ، إلّا أنَّ لَنا أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشَبَّهَ بِوُقُوعِ الغُبارِ عَلى الصَّفْوانِ حُصُولُ الأجْرِ لِلْكافِرِ، بَلِ المُشَبَّهُ بِذَلِكَ صُدُورُ هَذا العَمَلِ الَّذِي لَوْلا كَوْنُهُ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ الفاسِدَةِ لَكانَ مُوجِبًا لِحُصُولِ الأجْرِ والثَّوابِ، فالمُشَبَّهُ بِالتُّرابِ الواقِعِ عَلى الصَّفْوانِ هو ذَلِكَ العَمَلُ الصّادِرُ مِنهُ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى؛ لِأنَّ الغُبارَ إذا وقَعَ عَلى الصَّفْوانِ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا بِهِ ولا غائِصًا فِيهِ البَتَّةَ، بَلْ كانَ ذَلِكَ الِاتِّصالُ كالِانْفِصالِ، فَهو في مَرْأى العَيْنِ مُتَّصِلٌ، وفي الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، فَكَذا الإنْفاقُ المَقْرُونُ بِالمَنِّ والأذى، يُرى في الظّاهِرِ أنَّهُ عَمَلٌ مِن أعْمالِ البِرِّ، وفي الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَظَهَرَ أنَّ اسْتِدْلالَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ضَعِيفٌ. وأمّا الحُجَّةُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا مُنافاةَ في الجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِحْقاقَيْنِ، وأنَّ مُقْتَضى ذَلِكَ الجَمْعِ إمّا التَّرْجِيحُ وإمّا المُهايَأةُ.