Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:263-265
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وتاسِعُها: أنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: إنَّ شُرْبَ جُرْعَةٍ مِنَ الخَمْرِ يُحْبِطُ ثَوابَ الإيمانِ وطاعَةَ سَبْعِينَ سَنَةً عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ثَوابَ هَذِهِ الطّاعاتِ أكْثَرُ مِن عِقابِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ، والأعْظَمُ لا يُحِيطُ بِالأقَلِّ، قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ الكَبِيرَةُ الواحِدَةُ أعْظَمَ مِن كُلِّ طاعَةٍ؛ لِأنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعْظُمُ عَلى قَدْرِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ وإحْسانِهِ، كَما أنَّ اسْتِحْقاقَ قِيامِ الرَّبّانِيَّةِ وقَدْ رَبّاهُ ومَلَّكَهُ وبَلَّغَهُ إلى النِّهايَةِ العَظِيمَةِ أعْظَمُ مِن قِيامِهِ بِحَقِّهِ لِكَثْرَةِ نِعَمِهِ، فَإذا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ بِحَيْثُ لا تُضْبَطُ عِظَمًا وكَثْرَةً لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَسْتَحِقَّ عَلى المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ العِقابَ العَظِيمَ الَّذِي يُوافِي عَلى ثَوابِ جُمْلَةِ الطّاعاتِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا العُذْرَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا عَظُمَتْ نِعَمُهُ عَلى عَبْدِهِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ قامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ إنَّهُ كَسَرَ رَأْسَ قَلَمِ ذَلِكَ المَلِكِ قَصْدًا، فَلَوْ أحْبَطَ المَلِكُ جَمِيعَ طاعاتِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الجُرْمِ فَكُلُّ أحَدٍ يَذُمُّهُ ويَنْسُبُهُ إلى تَرْكِ الإنْصافِ والقَسْوَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ المَعاصِي بِالنِّسْبَةِ إلى جَلالِ اللَّهِ تَعالى أقَلُّ مِن كَسْرِ رَأْسِ القَلَمِ، فَظَهَرَ أنَّ ما قالُوهُ عَلى خِلافِ قِياسِ العُقُولِ.