Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:263-265
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ الجُبّائِيُّ: وكَما دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا فالعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أطاعَ وعَصى، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ثَوابَ طاعَتِهِ وعِقابَ مَعْصِيَتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَسْتَحِقَّ النَّقِيضَيْنِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الثَّوابِ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإجْلالِ، وشَرْطَ العِقابِ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالإذْلالِ، فَلَوْ لَمْ تَقَعِ المُحابَطَةُ لَحَصَلَ اسْتِحْقاقُ النَّقِيضَيْنِ وذَلِكَ مُحالٌ، ولِأنَّهُ حِينَ يُعاقِبُهُ فَقَدْ مَنَعَهُ الإثابَةَ، ومَنعُ الإثابَةِ ظُلْمٌ، وهَذا العِقابُ عَدْلٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا العِقابُ عَدْلًا مِن حَيْثُ إنَّهُ حَقُّهُ، وأنْ يَكُونَ ظُلْمًا مِن حَيْثُ إنَّهُ مَنَعَ الإثابَةَ، فَيَكُونُ ظالِمًا بِنَفْسِ الفِعْلِ الَّذِي هو عادِلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَصَحَّ بِهَذا قَوْلُنا في الإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بِهَذا النَّصِّ وبِدَلالَةِ العَقْلِ، هَذا كَلامُ المُعْتَزِلَةِ.
وأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم قالُوا: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ النَّهْيَ عَنْ إزالَةِ هَذا الثَّوابِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، بَلِ المُرادُ بِهِ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا العَمَلِ باطِلًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قَصَدَ بِهِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أتى بِهِ مِنَ الِابْتِداءِ عَلى نَعْتِ البُطْلانِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ: