Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:262
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّانِي في التَّفْسِيرِ: ”المَنُّ“ النَّقْصُ مِنَ الحَقِّ والبَخْسُ لَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القَلَمِ: ٣] أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ وغَيْرَ مَمْنُوعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ المَوْتُ مَنُونًا لِأنَّهُ يُنْقِصُ الأعْمارَ، ويَقْطَعُ الأعْذارَ. ومِن هَذا البابِ المِنَّةُ المَذْمُومَةُ؛ لِأنَّهُ يُنْقِصُ النِّعْمَةَ، ويُكَدِّرُها، والعَرَبُ يَمْتَدِحُونَ بِتَرْكِ المَنِّ بِالنِّعْمَةِ، قالَ قائِلَهم:
زادَ مَعْرُوفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ∗∗∗ أنَّهُ عِنْدِيَ مَسْتُورٌ حَقِيرُ
تَتَناساهُ كَأنْ لَمْ تَأْتِهِ ∗∗∗ وهْوَ في العالَمِ مَشْهُورٌ كَثِيرُ
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَنُّ هو إظْهارُ الِاصْطِناعِ إلَيْهِمْ، والأذى شِكايَتُهُ مِنهم بِسَبَبِ ما أعْطاهم، وإنَّما كانَ المَنُّ مَذْمُومًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الفَقِيرَ الآخِذَ لِلصَّدَقَةِ مُنْكَسِرُ القَلْبِ لِأجْلِ حاجَتِهِ إلى صَدَقَةٍ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِاليَدِ العُلْيا لِلْمُعْطِي، فَإذا أضافَ المُعْطِي إلى ذَلِكَ إظْهارَ ذَلِكَ الإنْعامِ، زادَ ذَلِكَ في انْكِسارِ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ في حُكْمِ المَضَرَّةِ بَعْدَ المَنفَعَةِ، وفي حُكْمِ المُسِيءِ إلَيْهِ بَعْدَ أنْ أحْسَنَ إلَيْهِ.
والثّانِي: إظْهارُ المَنِّ يُبْعِدُ أهْلَ الحاجَةِ عَنِ الرَّغْبَةِ في صَدَقَتِهِ إذا اشْتُهِرَ مِن طَرِيقِهِ ذَلِكَ.