Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:259
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: (كَيْفَ نُنْشِرُها) فالمُرادُ يُحْيِيها، يُقالُ: أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ ونَشَرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عَبَسَ: ٢٢ ] وقَدْ وصَفَ اللَّهُ العِظامَ بِالإحْياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] وقُرِئَ ”نَنْشُرُها“ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ، قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى النَّشْرِ بَعْدَ الطَّيِّ، وذَلِكَ أنَّ بِالحَياةِ يَكُونُ الِانْبِساطُ في التَّصَرُّفِ، فَهو كَأنَّهُ مَطْوِيٌّ ما دامَ مَيِّتًا، فَإذا عادَ صارَ كَأنَّهُ نُشِرَ بَعْدَ الطَّيِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”نُنْشِزُها“ بِالزّايِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ، والمَعْنى نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، وإنْشازُ الشَّيْءِ رَفْعُهُ، يُقالُ أنَشَزْتُهُ فَنَشَزَ، أيْ: رَفَعْتُهُ فارْتَفَعَ، ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ نَشَزَ، ومِنهُ نُشُوزُ المَرْأةِ، وهو أنْ تَرْتَفِعَ عَنْ حَدِّ رِضا الزَّوْجِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: كَيْفَ نَرْفَعُها مِنَ الأرْضِ فَنَرُدَّها إلى أماكِنِها مِنَ الجَسَدِ ونُرَكِّبَ بَعْضَها عَلى البَعْضِ، ورُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ”نَنْشُزُها“ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ والزّايِ، ووَجْهُهُ ما قالَ الأخْفَشُ أنَّهُ يُقالُ: نَشَزْتُهُ وأنْشَزْتُهُ أيْ: رَفَعْتُهُ. والمَعْنى مِن جَمِيعِ القِراءاتِ أنَّهُ تَعالى رَكَّبَ العِظامَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ حَتّى اتَّصَلَتْ عَلى نِظامٍ، ثُمَّ بَسَطَ اللَّحْمَ عَلَيْها، ونَشَرَ العُرُوقَ والأعْصابَ واللُّحُومَ والجُلُودَ عَلَيْها، ورَفَعَ بَعْضَهُ إلى جَنْبِ البَعْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ القِراءاتِ داخِلًا في ذَلِكَ.