Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:259
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعِظامِ عِظامُ حِمارِهِ، فَإنَّ اللّامَ فِيهِ بَدَلُ الكِنايَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادُوا بِهِ عِظامَ هَذا الرَّجُلِ نَفْسِهِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أحْيا رَأْسَهُ وعَيْنَيْهِ، وكانَتْ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ عِظامًا نَخِرَةً، فَكانَ يَنْظُرُ إلى أجْزاءِ عِظامِ نَفْسِهِ فَرَآها تَجْتَمِعُ ويَنْضَمُّ البَعْضُ إلى البَعْضِ، وكانَ يَرى حِمارَهُ واقِفًا كَما رَبَطَهُ حِينَ كانَ حَيًّا لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عامٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ: وانْظُرْ إلى عِظامِكَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ، وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِمَن لا يَرى أثَرَ التَّغَيُّرِ في نَفْسِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَعْضِ يَوْمٍ، أمّا مَن شاهَدَ أجْزاءَ بَدَنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وعِظامَ بَدَنَةٍ رَمِيمَةٍ نَخِرَةٍ، فَلا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ القَوْلُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ خاطَبَهُ وأجابَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُجِيبُ هو الَّذِي أماتَهُ اللَّهُ، فَإذا كانَتِ الإماتَةُ راجِعَةً إلى كُلِّهِ، فالمُجِيبُ أيْضًا الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةَ الشَّخْصِ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ أحْياها وبَعَثَها.