Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:258
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والإشْكالُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ وإنْ كانَ يُحْسِنُ الِانْتِقالَ مِن دَلِيلٍ إلى دَلِيلٍ، أوْ مِن مِثالٍ إلى مِثالٍ، لَكِنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْتَقِلُ إلَيْهِ أوْضَحَ وأقْرَبَ، وهَهُنا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ جِنْسَ الإحْياءِ لا قُدْرَةَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، وأمّا جِنْسُ تَحْرِيكِ الأجْسامِ، فَلِلْخَلْقِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ في العَقْلِ وُجُودُ مَلِكٍ عَظِيمٍ في الجُثَّةِ أعْظَمُ مِنَ السَّماواتِ، وأنَّهُ هو الَّذِي يَكُونُ مُحَرِّكًا لِلسَّماواتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: الِاسْتِدْلالُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أظْهَرُ وأقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ المَعْصُومِ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الدَّلِيلِ الأوْضَحِ الأظْهَرِ إلى الدَّلِيلِ الخَفِيِّ الَّذِي لا يَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ قَوِيًّا ؟ .
صفحة ٢٤
والإشْكالُ الرّابِعُ: أنَّ دَلالَةَ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أقْوى مِن دَلالَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى في ذاتِ الإنْسانِ وصِفاتِهِ تَبْدِيلاتٍ واخْتِلافاتٍ، والتَّبَدُّلُ قَوِيُّ الدَّلالَةِ عَلى الحاجَةِ إلى المُؤَثِّرِ القادِرِ، أمّا الشَّمْسُ فَلا نَرى في ذاتِها تَبَدُّلًا، ولا في صِفاتِها تَبَدُّلًا، ولا في مَنهَجِ حَرَكاتِها تَبَدُّلًا البَتَّةَ، فَكانَتْ دَلالَةُ الإحْياءِ والإماتَةِ عَلى الصّانِعِ أقْوى، فَكانَ العُدُولُ مِنهُ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ انْتِقالًا مِنَ الأقْوى الأجْلى إلى الأخْفى الأضْعَفِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.