Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:258
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا احْتَجَّ بِتِلْكَ الحُجَّةِ، دَعا ذَلِكَ المَلِكُ الكافِرُ شَخْصَيْنِ، وقَتَلَ أحَدَهُما، واسْتَبْقى الآخَرَ، وقالَ: أنا أيْضًا أُحْيِي وأُمِيتُ، هَذا هو المَنقُولُ في التَّفْسِيرِ، وعِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِ إبْراهِيمَ أنَّهُ شَرَحَ حَقِيقَةَ الإحْياءِ وحَقِيقَةَ الإماتَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ في الِاسْتِدْلالِ، ومَتى شَرَحَهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ امْتَنَعَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلى العاقِلِ الإماتَةُ والإحْياءُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ بِالإماتَةِ، والإحْياءُ بِمَعْنى القَتْلِ وتَرْكِهِ، ويَبْعُدُ في الجَمْعِ العَظِيمِ أنْ يَكُونُوا في الحَماقَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُونَ هَذا القَدْرَ مِنَ الفَرْقِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنَّ إبْراهِيمَ ﷺ لَمّا احْتَجَّ بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِنَ اللَّهِ قالَ المُنْكِرُ: تَدَّعِي الإحْياءَ والإماتَةَ مِنَ اللَّهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأسْبابِ الأرْضِيَّةِ والأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، أوْ تَدَّعِي صُدُورَ الإحْياءِ والإماتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ الأسْبابِ الأرْضِيَّةِ والأسْبابِ السَّماوِيَّةِ، أمّا الأوَّلُ: فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ، وأمّا الثّانِي: فَلا يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ؛ لِأنَّ الواحِدَ مِنّا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ بِواسِطَةِ سائِرِ الأسْبابِ، فَإنَّ الجِماعَ قَدْ يُفْضِي إلى الوَلَدِ الحَيِّ بِواسِطَةِ الأسْبابِ الأرْضِيَّةِ والسَّماوِيَّةِ، وتَناوُلُ السُّمِّ قَدْ يُفْضِي إلى المَوْتِ. فَلَمّا ذَكَرَ نَمْرُوذُ هَذا السُّؤالَ عَلى هَذا الوَجْهِ أجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ قالَ: هَبْ أنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ حَصَلا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ لِتِلْكَ الِاتِّصالاتِ والحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ مِن فاعِلٍ مُدَبِّرٍ، فَإذا كانَ المُدَبِّرُ لِتِلْكَ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ هو اللَّهُ تَعالى، كانَ الإحْياءُ والإماتَةُ الحاصِلانِ بِواسِطَةِ تِلْكَ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الإحْياءُ والإماتَةُ الصّادِرانِ عَلى البَشَرِ بِواسِطَةِ الأسْبابِ الفَلَكِيَّةِ والعُنْصُرِيَّةِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلى الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.