Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:258
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلِيلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في غايَةِ الصِّحَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِواسِطَةِ أفْعالِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ القادِرِينَ، والإحْياءُ والإماتَةُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ عاجِزُونَ عَنْهُما، والعِلْمُ بَعْدَ الِاخْتِيارِ ضَرُورِيٌّ، فَلا بُدَّ مِن مُؤَثِّرٍ آخَرَ غَيْرِ هَؤُلاءِ القادِرِينَ الَّذِينَ تَراهم، وذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا أوْ مُخْتارًا، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن دَوامِهِ دَوامُ الأثَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَتَبَدَّلَ الإحْياءُ بِالإماتَةِ، وأنْ لا تَتَبَدَّلَ الإماتَةُ بِالإحْياءِ، والثّانِي وهو أنّا نَرى في الحَيَوانِ أعْضاءً مُخْتَلِفَةً في الشَّكْلِ والصِّفَةِ والطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ، وتَأْثِيرُ المُؤَثِّرِ المُوجِبِ بِالذّاتِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ في الإحْياءِ والإماتَةِ مِن وُجُودٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ عَلى سَبِيلِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ في إحْياءِ هَذِهِ الحَيَواناتِ وفي إماتَتِها، وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو دَلِيلٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في مَواضِعَ في كِتابِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٢] إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التِّينِ: ٤، ٥] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] .