Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:258
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ: هو نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ، وهو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ وادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، واخْتَلَفُوا في وقْتِ هَذِهِ المُحاجَّةِ قِيلَ: إنَّهُ عِنْدَ كَسْرِ الأصْنامِ قَبْلَ الإلْقاءِ في النّارِ عَنْ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: بَعْدَ إلْقائِهِ في النّارِ. والمُحاجَّةُ المُغالَبَةُ، يُقالُ: حاجَجْتُهُ فَحَجَجْتُهُ، أيْ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي رَبِّهِ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ إلى إبْراهِيمَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الطّاعِنِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، كَما قالَ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٨٠] والمَعْنى وحاجَّهُ قَوْمُهُ في رَبِّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الهاءَ في آتاهُ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى آتى إبْراهِيمَ ﷺ المُلْكَ، واحْتَجُّوا عَلى هَذا القَوْلِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النِّساءِ: ٥٤] أيْ: سُلْطانًا بِالنُّبُوَّةِ، والقِيامِ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يُؤْتِيَ المُلْكَ الكُفّارَ، ويَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِينَ واجِبٌ، وإبْراهِيمُ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ إلى هَذا الضَّمِيرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ عائِدًا إلَيْهِ.