Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:255
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: وسِعَ فَلانًا الشَّيْءُ يَسَعُهُ سَعَةً إذا احْتَمَلَهُ وأطاقَهُ وأمْكَنَهُ القِيامُ بِهِ، ولا يَسَعُكَ هَذا، أيْ لا تُطِيقُهُ ولا تَحْتَمِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» “ أيْ: لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا الكُرْسِيُّ فَأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن تَرَكُّبِ الشَّيْءِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، والكِرْسُ أبْوالُ الدَّوابِّ وأبْعارُها يَتَلَبَّدُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وأكْرَسَتِ الدّارُ إذا كَثُرَتْ فِيها الأبْعارُ والأبْوالُ وتَلَبَّدَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وتَكارَسَ الشَّيْءُ إذا تَرَكَّبَ، ومِنهُ الكُرّاسَةُ لِتَرَكُّبِ بَعْضِ أوْراقِها عَلى بَعْضٍ ”والكُرْسِيُّ“ هو هَذا الشَّيْءُ المَعْرُوفُ لِتَرَكُّبِ خَشَباتِهِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جِسْمٌ عَظِيمٌ يَسَعُ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ الحَسَنُ: ”الكُرْسِيُّ“ هو نَفْسُ العَرْشِ، لِأنَّ السَّرِيرَ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ عَرْشٌ، وبِأنَّهُ كُرْسِيٌّ، لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَيْثُ يَصِحُّ التَّمَكُّنُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ دُونَ العَرْشِ وفَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَحْتَ الأرْضِ وهو مَنقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ.