Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:255
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واللّازِمُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا مَعْنى لِلْعِلْمِ إلّا حُضُورُ حَقِيقَةِ المَعْلُومِ لِلْعالِمِ، فَإذا كانَ قَيُّومًا بِمَعْنى كَوْنِهِ قائِمًا بِنَفْسِهِ لا بِغَيْرِهِ كانَتْ حَقِيقَتُهُ حاضِرَةً عِنْدَ ذاتِهِ، وإذا كانَ لا مَعْنى لِلْعِلْمِ إلّا هَذا الحُضُورُ، وجَبَ أنْ تَكُونَ حَقِيقَتُهُ مَعْلُومَةً لِذاتِهِ فَإذَنْ ذاتُهُ مَعْلُومَةٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ ما عَداهُ فَإنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ بِتَأْثِيرِهِ، ولِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ قَيُّومٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ التَّأْثِيرُ إنْ كانَ بِالِاخْتِيارِ فالفاعِلُ المُخْتارُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لَهُ شُعُورٌ بِفِعْلِهِ، وإنْ كانَ بِالإيجابِ لَزِمَ أيْضًا كَوْنُهُ عالِمًا بِكُلِّ ما سِواهُ؛ لِأنَّ ذاتَهُ مُوجِبَةٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، وقَدْ دَلَلْنا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ قائِمًا بِالنَّفْسِ لِذاتِهِ كَوْنُهُ عالِمًا بِذاتِهِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَعَلى التَّقْدِيراتِ كُلِّها يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ قَيُّومًا كَوْنُهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.
وثالِثُها: لَمّا كانَ قَيُّومًا لِكُلِّ ما سِواهُ كانَ كُلُّ ما سِواهُ مُحْدَثًا؛ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ في تَقْوِيمِ ذَلِكَ الغَيْرِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حالَ بَقاءِ ذَلِكَ الغَيْرِ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَهو إمّا حالُ عَدَمِهِ وإمّا حالُ حُدُوثِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُحْدَثًا.