Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:253
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فَيُوَفِّقُ مَن يَشاءُ ويَخْذُلُ مَن يَشاءُ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا: لِأنَّ الخَصْمَ يُساعِدُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ المُؤْمِنِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ لِإيمانِ المُؤْمِنِ هو اللَّهَ تَعالى، وأيْضًا لِما دَلَّ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ، فَلَوْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُفّارِ لَفَعَلَ فِيهِمُ الإيمانَ، ولَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الإيمانَ مِنهم، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ، وعَلى مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ، والمُعْتَزِلَةُ يُقَيِّدُونَ المُطْلَقَ ويَقُولُونَ: المُرادُ: يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ مِن أفْعالِ نَفْسِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى هَذا التَّقْيِيدِ تَصِيرُ الآيَةُ بَيانًا لِلْواضِحاتِ فَإنَّهُ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ كَذَلِكَ، فَلا يَكُونُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.