Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:253
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ تَفْضِيلِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَأمّا أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ حَصَلَ بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ قَلِيلَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ فَلَمْ يَكُنْ تَكْرِيرًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ هَذا النَّوْعِ مِنَ الكَلامِ إلى المُغايَبَةِ فَقالَ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ ثُمَّ عَدَلَ مِنَ المُغايَبَةِ إلى النَّوْعِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنِ المُخاطَبَةِ إلى المُغايَبَةِ ثُمَّ عَنْها إلى المُخاطَبَةِ مَرَّةً أُخْرى ؟ .
صفحة ١٧٢
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أهْيَبُ وأكْثَرُ وقْعًا مِن أنْ يُقالَ: مِنهم مَن كَلَّمْنا، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَلِهَذا المَقْصُودِ اخْتارَ لَفْظَةَ الغَيْبَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَإنَّما اخْتارَ لَفْظَ المُخاطَبَةِ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (وآتَيْنا) ضَمِيرُ التَّعْظِيمِ، وتَعْظِيمُ المُؤْتى يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ الإيتاءِ.