Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:253
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: إنَّ كُلَّ أمِيرٍ فَإنَّهُ تَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلى قَدْرِ رَعِيَّتِهِ، فالأمِيرُ الَّذِي تَكُونُ إمارَتُهُ عَلى قَرْيَةٍ تَكُونُ مُؤْنَتُهُ بِقَدْرِ تِلْكَ القَرْيَةِ، ومَن مَلَكَ الشَّرْقَ والغَرْبَ احْتاجَ إلى أمْوالٍ وذَخائِرَ أكْثَرَ مِن أمْوالِ أمِيرِ تِلْكَ القَرْيَةِ فَكَذَلِكَ كُلُّ رَسُولٍ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ فَأُعْطِيَ مِن كُنُوزِ التَّوْحِيدِ وجَواهِرِ المَعْرِفَةِ عَلى قَدْرِ ما حَمَلَ مِنَ الرِّسالَةِ، فالمُرْسَلُ إلى قَوْمِهِ في طَرَفٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الأرْضِ إنَّما يُعْطى مِن هَذِهِ الكُنُوزِ الرُّوحانِيَّةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، والمُرْسَلُ إلى كُلِّ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ إنْسِهِمْ وجِنِّهِمْ لا بُدَّ وأنْ يُعْطى مِنَ المَعْرِفَةِ بِقَدْرِ ما يُمْكِنُهُ أنْ يَقُومَ بِسَعْيِهِ بِأُمُورِ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ نِسْبَةُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى نُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ كَنِسْبَةِ كُلِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إلى مُلْكِ بَعْضِ البِلادِ المَخْصُوصَةِ، ولَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أُعْطِيَ مِن كُنُوزِ الحِكْمَةِ والعِلْمِ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ قَبْلَهُ، فَلا جَرَمَ بَلَغَ في العِلْمِ إلى الحَدِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ قالَ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] وفي الفَصاحَةِ إلى أنْ قالَ: ”«أُوتِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ» “ وصارَ كِتابُهُ مُهَيْمِنًا عَلى الكُتُبِ وصارَتْ أُمَّتُهُ خَيْرَ الأُمَمِ.