Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:253
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى كُلِّ الخَلْقِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَشَقَّتُهُ أكْثَرَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ، أمّا إنَّهُ بُعِثَ إلى كُلِّ الخَلْقِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] وأمّا إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَشَقَّتُهُ أكْثَرَ فَلِأنَّهُ كانَ إنْسانًا فَرْدًا مِن غَيْرِ مالٍ ولا أعْوانٍ وأنْصارٍ، فَإذا قالَ لِجَمِيعِ العالَمِينَ: يا أيُّها الكافِرُونَ صارَ الكُلُّ أعْداءً لَهُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ خائِفًا مِنَ الكُلِّ، فَكانَتِ المَشَقَّةُ عَظِيمَةً، وكَذَلِكَ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بُعِثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَهو ما كانَ يَخافُ أحَدًا إلّا مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فالكُلُّ كانُوا أعْداءً لَهُ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ إنْسانًا لَوْ قِيلَ لَهُ: هَذا البَلَدُ الخالِي عَنِ الصَّدِيقِ والرَّفِيقِ فِيهِ رَجُلٌ واحِدٌ ذُو قُوَّةٍ وسِلاحٍ فاذْهَبْ إلَيْهِ اليَوْمَ وحِيدًا وبَلِّغْ إلَيْهِ خَبَرًا يُوحِشُهُ ويُؤْذِيهِ، فَإنَّهُ قَلَّما سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ إنْسانٌ واحِدٌ، ولَوْ قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ إلى بادِيَةٍ بَعِيدَةٍ لَيْسَ فِيها أنِيسٌ ولا صَدِيقٌ، وبَلِّغْ إلى صاحِبِ البادِيَةِ كَذا وكَذا مِنَ الأخْبارِ المُوحِشَةِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الإنْسانِ، أمّا النَّبِيُّ ﷺ فَإنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يَذْهَبَ طُولَ لَيْلِهِ ونَهارِهِ في كُلِّ عُمُرِهِ إلى الجِنِّ والإنْسِ الَّذِينَ لا عَهْدَ لَهُ بِهِمْ، بَلِ المُعْتادُ مِنهم أنَّهم يُعادُونَهُ ويُؤْذُونَهُ ويَسْتَخِفُّونَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمَلَّ مِن هَذِهِ الحالَةِ ولَمْ يَتَلَكَّأْ، بَلْ سارَعَ إلَيْها سامِعًا مُطِيعًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَحَمَّلَ في إظْهارِ دِينِ اللَّهِ أعْظَمَ المَشاقِّ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ البَلاءَ كانَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، فَإذا عَظُمَ فَضْلُ الصَّحابَةِ بِسَبَبِ تِلْكَ الشِّدَّةِ فَما ظَنُّكَ بِالرَّسُولِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ مَشَقَّتَهُ أعْظَمُ مِن مَشَقَّةِ غَيْرِهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ فَضْلُهُ أكْثَرَ مِن فَضْلِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«أفْضَلُ العِباداتِ أحَمَزُها» “ .