Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:251
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحَ الدُّنْيا وضَبْطِ المُلْكِ، فَإنَّهُ ما ورِثَ المُلْكَ مِن آبائِهِ، لِأنَّهم ما كانُوا مُلُوكًا بَلْ كانُوا رُعاةً.
ورابِعُها: عِلْمُ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ حاكِمًا بَيْنَ النّاسِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ الحُكْمِ والقَضاءِ. وخامِسُها: الألْحانُ الطَّيِّبَةُ، ولا يَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الكُلِّ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ آتاهُ الحِكْمَةَ، وكانَ المُرادُ بِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ، فَقَدْ دَخَلَ العِلْمُ في ذَلِكَ، فَلِمَ ذَكَرَ بَعْدَهُ ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ ؟
قُلْنا: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العَبْدَ قَطُّ لا يَنْتَهِي إلى حالَةٍ يَسْتَغْنِي عَنِ التَّعَلُّمِ، سَواءٌ كانَ نَبِيًّا أوْ لَمْ يَكُنْ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفَسادَ الواقِعَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ زالَ بِما كانَ مِن طالُوتَ وجُنُودِهِ، وبِما كانَ مِن داوُدَ مِن قَتْلِ جالُوتَ بَيَّنَ عَقِيبَ ذَلِكَ جُمْلَةً تَشْتَمِلُ كُلَّ تَفْصِيلٍ في هَذا البابِ، وهو أنَّهُ تَعالى يَدْفَعُ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِكَيْ لا تَفْسُدَ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: