Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:251
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَجابَ دُعاءَهم، وأفْرَغَ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ، وثَبَّتَ أقْدامَهم، ونَصَرَهم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ: جالُوتَ وجُنُودِهِ وحَقَّقَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ ظَنَّ مَن قالَ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وأصْلُ الهَزْمِ في اللُّغَةِ الكَسْرُ، يُقالُ سِقاءٌ مُنْهَزِمٌ إذا تَشَقَّقَ مَعَ جَفافٍ، وهَزَمْتُ العَظْمَ أوِ القَصَبَةَ هَزْمًا، والهَزْمَةُ نُقْرَةٌ في الجَبَلِ، أوْ في الصَّخْرَةِ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ في زَمْزَمَ: هي هَزْمَةُ جِبْرِيلَ، يُرِيدُ هَزَمَها بِرِجْلِهِ فَخَرَجَ الماءُ، ويُقالُ: سَمِعْتُ هَزْمَةَ الرَّعْدِ كَأنَّهُ صَوْتٌ فِيهِ تَشَقُّقٌ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: هَزِيمٌ، لِأنَّهُ يَتَشَقَّقُ بِالمَطَرِ، وهَزَمَ الضَّرْعَ، وهَزْمُهُ ما يُكْسَرُ مِنهُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تِلْكَ الهَزِيمَةَ كانَتْ بِإذْنِ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، وأنَّهُ لَوْلا إعانَتُهُ وتَيْسِيرُهُ لَما حَصَلَ البَتَّةَ ثُمَّ قالَ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ راعِيًا ولَهُ سَبْعَةُ إخْوَةٍ مَعَ طالُوتَ فَلَمّا أبْطَأ خَبَرُ إخْوَتِهِ عَلى أبِيهِمْ إيشا أرْسَلَ ابْنَهُ داوُدَ إلَيْهِمْ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ، فَأتاهم وهم في المَصافِّ وبَدَرَ جالُوتُ الجَبّارُ وكانَ مِن قَوْمِ عادٍ إلى البَرازِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أحَدٌ فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ لَوْ كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ لَبارَزَنِي بَعْضُكم فَقالَ داوُدُ لِإخْوَتِهِ: أما فِيكم مَن يَخْرُجُ إلى هَذا الأقْلَفِ ؟ فَسَكَتُوا، فَذَهَبَ إلى ناحِيَةٍ مِنَ الصَّفِّ لَيْسَ فِيها إخْوَتُهُ فَمَرَّ بِهِ طالُوتُ وهو يُحَرِّضُ النّاسَ، فَقالَ لَهُ داوُدُ: ما تَصْنَعُونَ بِمَن يَقْتُلُ هَذا الأقْلَفَ ؟ فَقالَ طالُوتُ: أُنْكِحُهُ ابْنَتِي وأُعْطِيهِ نِصْفَ مُلْكِي فَقالَ داوُدُ: فَأنا خارِجٌ إلَيْهِ وكانَ عادَتُهُ أنْ يُقاتِلَ بِالمِقْلاعِ الذِّئْبَ والأسَدَ في الرَّعْيِ، وكانَ طالُوتُ عارِفًا بِجَلادَتِهِ، فَلَمّا هَمَّ داوُدُ بِأنْ يَخْرُجَ رَماهُ فَأصابَهُ في صَدْرِهِ، ونَفَذَ الحَجَرُ فِيهِ، وقَتَلَ بَعْدَهُ ناسًا كَثِيرًا، فَهَزَمَ اللَّهُ جُنُودَ جالُوتَ ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ﴾ فَحَسَدَهُ طالُوتُ وأخْرَجَهُ مِن مَمْلَكَتِهِ، ولَمْ يَفِ لَهُ بِوَعْدِهِ، ثُمَّ نَدِمَ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ إلى أنْ قُتِلَ، ومَلَكَ داوُدُ وحَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ، ولَمْ يَجْتَمِعْ في بَنِي إسْرائِيلَ المُلْكُ والنُّبُوَّةُ إلّا لَهُ.