Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:249
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّ مَن جَعَلَ الماءَ في فَمِهِ وتَمَضْمَضَ بِهِ ثُمَّ أخْرَجَهُ مِنَ الفَمِ، فَإنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ ذاقَهُ وطَعِمَهُ، ولا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ شَرِبَهُ، فَلَوْ قالَ: ومَن لَمْ يَشْرَبْهُ فَإنَّهُ مِنِّي كانَ المَنعُ مَقْصُورًا عَلى الشُّرْبِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ كانَ المَنعُ حاصِلًا في الشُّرْبِ وفي المَضْمَضَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ أشَقُّ، وأنَّ المَمْنُوعَ مِن شُرْبِ الماءِ إذا تَمَضْمَضَ بِهِ وجَدَ نَوْعَ خِفَّةٍ وراحَةٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ومَن لَمْ يَطْعَمْ مِنهُ لِيَكُونَ آخِرُ الآيَةِ مُطابِقًا أوَّلَها، إلّا أنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ اللَّفْظَ،
صفحة ١٥٤
واخْتِيرَ هَذا لِفائِدَةٍ، وهي أنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفُوا في أنَّ مَن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن هَذا النَّهَرِ كَيْفَ يَحْنَثُ ؟ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَحْنَثُ إلّا إذا كَرَعَ مِنَ النَّهْرِ، حَتّى لَوِ اغْتَرَفَ بِالكُوزِ ماءً مِن ذَلِكَ النَّهْرِ وشَرِبَهُ لا يَحْنَثُ، لِأنَّ الشُّرْبَ مِنَ الشَّيْءِ هو أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ شُرْبِهِ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وهَذا لا يَحْصُلُ إلّا بِأنْ يَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ، وقالَ الباقُونَ إذا اغْتَرَفَ الماءَ بِالكُوزِ مِن ذَلِكَ النَّهْرِ وشَرِبَهُ يَحْنَثُ، لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ مَجازًا إلّا أنَّهُ مَجازٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ.