Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:239
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
يُصَلُّونَ رُكْبانًا عَلى دَوابِّهِمْ، ومُشاةً عَلى أقْدامِهِمْ إلى القِبْلَةِ وإلى غَيْرِ القِبْلَةِ يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ويَجْعَلُونَ السُّجُودَ أخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الصَّيْحاتِ؛ لِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلَيْها، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُصَلِّي الماشِي بَلْ يُؤَخِّرُ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَعْنِي مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها. قالَ نافِعٌ: لا أرى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ .
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ الخَوْفَ الَّذِي تَجُوزُ مَعَهُ الصَّلاةُ مَعَ التَّرَجُّلِ والمَشْيِ ومَعَ الرُّكُوبِ والرَّكْضِ لا يُمْكِنُ مَعَهُ المُحافَظَةُ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ يَدُلُّ عَلى التَّرَخُّصِ في تَرْكِ التَّوَجُّهِ، وأيْضًا يَدُلُّ عَلى التَّرَخُّصِ في تَرْكِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ إلى الإيماءِ لِأنَّ مَعَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ مِنَ العَدُوِّ لا يَأْمَنُ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ إنْ وقَفَ في مَكانِهِ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَصَحَّ بِما ذَكَرْنا دَلالَةُ رِجالًا أوْ رُكْبانًا عَلى جَوازِ تَرْكِ الِاسْتِقْبالِ، وعَلى جَوازِ الِاكْتِفاءِ بِالإيماءِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَلْنَتَكَلَّمْ فِيما يَسْقُطُ عَنْهُ وفِيما لا يَسْقُطُ، فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الصَّلاةَ إنَّما تَتِمُّ بِمَجْمُوعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: