Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:238
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: (قانِتِينَ) أيْ: مُطِيعِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وطاوُسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ، الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَهو الطّاعَةُ» “ .
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى في أزْواجِ الرَّسُولِ ﷺ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ٣٤] وقالَ في كُلِّ النِّساءِ: ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ [النساء: ٣٤] فالقُنُوتُ عِبارَةٌ عَنْ إكْمالِ الطّاعَةِ وإتْمامِها، والِاحْتِرازُ عَنْ إيقاعِ الخَلَلِ في أرْكانِها وسُنَنِها وآدابِها، وهو زَجْرٌ لِمَن لَمْ يُبالِ كَيْفَ صَلّى فَخَفَّفَ واقْتَصَرَ عَلى ما يُجْزِئُ، وذَهَبَ إلى أنَّهُ لا حاجَةَ لِلَّهِ إلى صَلاةِ العِبادِ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لَوَجَبَ أنْ لا يُصَلِّيَ رَأْسًا، لِأنَّهُ يُقالُ: كَما لا يَحْتاجُ إلى الكَثِيرِ مِن عِبادَتِنا، فَكَذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى القَلِيلِ، وقَدْ صَلّى الرَّسُولُ ﷺ والرُّسُلُ والسَّلَفُ الصّالِحُ، فَأطالُوا وأظْهَرُوا الخُشُوعَ والِاسْتِكانَةَ، وكانُوا أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن هَؤُلاءِ الجُهّالِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: (قانِتِينَ) ساكِتِينَ، وهو «قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ فَيُسَلِّمُ الرَّجُلُ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ، ويَسْألُهم: كَمْ صَلَّيْتُمْ ؟ كَفِعْلِ أهْلِ الكِتابِ، فَنَزَّلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ» .