Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:238
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِدْلالُ إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ المُرادُ هو الوُسْطى في العَدَدِ وهَذا مَمْنُوعٌ، بَلِ المُرادُ مِنَ الوُسْطى الفَضِيلَةُ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ: عُدُولًا، وقالَ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] أيْ: أعْدَلُهم، وقَدْ أحْكَمْنا هَذا الِاشْتِقاقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُسْطى في المِقْدارِ كالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ ثَلاثُ رَكَعاتٍ وهو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وبَيْنَ الأرْبَعِ، وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الوُسْطى في الصِّفَةِ وهي صَلاةُ الصُّبْحِ فَإنَّها تَقَعُ في وقْتٍ لَيْسَ بِغايَةٍ في الظُّلْمَةِ ولا غايَةٍ في الضَّوْءِ.
الجَوابُ: أنَّ الخُلُقَ الفاضِلَ إنَّما يُسَمّى وسَطًا لا مِن حَيْثُ إنَّهُ خُلُقٌ فاضِلٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ رَذِيلَتَيْنِ هُما طَرَفا الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، مِثْلُ الشَّجاعَةِ فَإنَّها خُلُقٌ فاضِلٌ وهي مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ فَيَرْجِعُ حاصِلُ الأمْرِ إلى أنَّ لَفْظَ الوَسَطِ حَقِيقَةٌ فِيما يَكُونُ وسَطًا بِحَسَبَ العَدَدِ ومَجازٌ في الخُلُقِ
صفحة ١٣٠
الحَسَنِ والفِعْلِ الحَسَنِ مِن حَيْثُ إنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ.
أمّا قَوْلُهُ: نَحْمِلُهُ عَلى ما يَكُونُ وسَطًا في الزَّمانِ وهو الظُّهْرُ.