Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:238
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لِأنَّهُ لَوْ بَيَّنَ ذَلِكَ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَها بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ، أوْ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ إمّا أنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ، أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ قاطِعٍ، أوْ خَبَرٍ مُتَواتِرٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ البَيانُ حاصِلًا في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ عَدَدَ الصَّلَواتِ خَمْسٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرٌ لِأوَّلِها وآخِرِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ أمْكَنَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصَّلَواتِ أنْ يُقالَ: إنَّما هي الوُسْطى، وإمّا أنْ يُقالَ: بَيانٌ حَصَلَ في آيَةٍ أُخْرى أوْ في خَبَرٍ مُتَواتِرٍ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ، وأمّا بَيانُهُ بِالطَّرِيقِ الظَّنِّيِّ وهو خَبَرُ الواحِدِ والقِياسُ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ المُفِيدَ لِلظَّنِّ مُعْتَبَرٌ في العَمَلِيّاتِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى ما هي، ثُمَّ قالُوا: والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّها بِمَزِيدِ التَّوْكِيدِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْها جَوَّزَ المَرْءُ في كُلِّ صَلاةٍ يُؤَدِّيها أنَّها هي الوُسْطى، فَيَصِيرُ ذَلِكَ داعِيًا إلى أداءِ الكُلِّ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ، ولِهَذا السَّبَبِ أخْفى اللَّهُ تَعالى لَيْلَةَ القَدْرِ في رَمَضانَ، وأخْفى ساعَةَ الإجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، وأخْفى اسْمَهُ الأعْظَمَ في جَمِيعِ الأسْماءِ، وأخْفى وقْتَ المَوْتِ في الأوْقاتِ لِيَكُونَ المُكَلَّفُ خائِفًا مِنَ المَوْتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، فَيَكُونُ آتِيًا بِالتَّوْبَةِ في كُلِّ الأوْقاتِ، وهَذا القَوْلُ اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ.