Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:235
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ عَقْدِ القَلْبِ عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] واعْلَمْ أنَّ العَزْمَ إنَّما يَكُونُ عَزْمًا عَلى الفِعْلِ، فَلا بُدَّ في الآيَةِ مِن إضْمارِ فِعْلٍ، وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُعَدّى إلى الفِعْلِ بِحَرْفِ ”عَلى“، فَيُقالُ: فُلانٌ عَزَمَ عَلى كَذا. إذا ثَبَتَ هَذا كانَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا تَعْزِمُوا عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والحَذْفُ في هَذِهِ الأشْياءِ لا يُقاسُ، فَعَلى هَذا تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أنْ تُقَدِّرُوها حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ النِّكاحِ في زَمانِ العِدَّةِ؛ فَإنَّ العَزْمَ مُتَقَدِّمٌ عَلى المَعْزُومِ عَلَيْهِ، فَإذا ورَدَ النَّهْيُ عَنِ العَزْمِ فَلَأنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُتَأكَّدًا عَنِ الإقْدامِ عَلى المَعْزُومِ عَلَيْهِ أوْلى.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ العَزْمُ عِبارَةً عَنِ الإيجابِ، يُقالُ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ، أيْ: أوْجَبْتُ عَلَيْكم، ويُقالُ: هَذا مِن بابِ العَزائِمِ، لا مِن بابِ الرُّخَصِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَزْمَةٌ مِن عَزَماتِ رَبِّنا» “، وقالَ: ”«إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ تُؤْتى رُخَصُهُ كَما يُحِبُّ أنْ تُؤْتى عَزائِمُهُ» “، ولِذَلِكَ فَإنَّ العَزْمَ بِهَذا المَعْنى جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبِالوَجْهِ الأوَّلِ لا يَجُوزُ.