Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:229
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَخافا﴾ هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌ، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ تَظْهَرُ في مَسْألَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وهي أنَّ أكْثَرَ المُجْتَهِدِينَ قالُوا: يَجُوزُ الخُلْعُ في غَيْرِ حالَةِ الخَوْفِ والغَضَبِ، وقالَ الأزْهَرِيُّ والنَّخَعِيُّ وداوُدُ: لا يُباحُ الخُلْعُ إلّا عِنْدَ الغَضَبِ والخَوْفِ مِن أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَإنْ وقَعَ الخُلْعُ في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ فالخُلْعُ فاسِدٌ، وحُجَّتُهم أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ المَرْأةِ عِنْدَ طَلاقِها شَيْئًا، ثُمَّ اسْتَثْنى اللَّهُ حالَةً مَخْصُوصَةً فَقالَ: ﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ فَكانَتِ الآيَةُ صَرِيحَةً في أنَّهُ لا يَجُوزُ الأخْذُ في غَيْرِ حالَةِ الخَوْفِ، وأمّا جُمْهُورُ المُجْتَهِدِينَ فَقالُوا: الخُلْعُ جائِزٌ في حالَةِ الخَوْفِ وفي غَيْرِ حالَةِ الخَوْفِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّساءِ: ٤] فَإذا جازَ لَها أنْ تَهَبَ مَهْرَها مِن غَيْرِ أنْ تُحَصِّلَ لِنَفْسِها شَيْئًا بِإزاءِ ما بُذِلَ كانَ ذَلِكَ في الخُلْعِ الَّذِي تَصِيرُ بِسَبَبِهِ مالِكَةً لِنَفْسِها أوْلى، وأمّا كَلِمَةُ ”إلّا“ فَهي مَحْمُولَةٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النِّساءِ: ٩٢] أيْ لَكِنْ إنْ كانَ خَطَأً ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ [النِّساءِ: ٩٢].