Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:229
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ صِفَةِ السُّنَّةِ، بَلْ كانَ تَفْسِيرُ الأصْلِ الطَّلاقَ، ثُمَّ قالَ: هَذا الكَلامُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، إلّا أنَّ مَعْناهُ هو الأمْرُ، أيْ طَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ، يَعْنِي دَفْعَتَيْنِ، وإنَّما وقَعَ العُدُولُ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الأمْرِ بِلَفْظِ الخَبَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَ مَعْنى الأمْرِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِتَفْرِيقِ الطَّلَقاتِ، وعَلى التَّشْدِيدِ في ذَلِكَ الأمْرِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ الدِّينِ، أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها اثْنَيْنِ أوْ ثَلاثًا لا يَقَعُ إلّا الواحِدَةُ، وهَذا القَوْلُ هو الأقْيَسُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، والقَوْلُ بِالوُقُوعِ سَعْيٌ في إدْخالِ تِلْكَ المَفْسَدَةِ في الوُجُودِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ يُحْكَمَ بِعَدَمِ الوُقُوعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ وإنْ كانَ مُحَرَّمًا إلّا أنَّهُ يَقَعُ، وهَذا مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ النَّهْيَ لا يَدُلُّ عَلى الفَسادِ.