Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:228
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
هِجانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
وقالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: ما قَرَأتْ حَيْضَةً، أيْ: ما ضَمَّتْ رَحِمَها عَلى حَيْضَةٍ، وسُمِّيَ الحَوْضُ مَقْرَأةً لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ، وأقْرَأتِ النُّجُومُ: إذا اجْتَمَعَتْ لِلْغُرُوبِ، وسُمِّيَ القُرْآنُ قُرْآنًا لِاجْتِماعِ حُرُوفِهِ وكَلِماتِهِ ولِاجْتِماعِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ فِيهِ. وقَرَأ القارِئُ؛ أيْ جَمَعَ الحُرُوفَ بَعْضَها إلى بَعْضٍ.
صفحة ٧٧
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وقْتُ اجْتِماعِ الدَّمِ إنَّما هو زَمانُ الطُّهْرِ؛ لِأنَّ الدَّمَ يَجْتَمِعُ في ذَلِكَ الزَّمانِ في البَدَنِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: بَلْ زَمانُ الحَيْضِ أوْلى بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ الدَّمَ يَجْتَمِعُ في هَذا الزَّمانِ في الرَّحِمِ.
قُلْنا: الدِّماءُ لا تَجْتَمِعُ في الرَّحِمِ البَتَّةَ، بَلْ تَنْفَصِلُ قَطْرَةً قَطْرَةً، أمّا وقْتُ الطُّهْرِ فالكُلُّ مُجْتَمِعٌ في البَدَنِ، فَكانَ مَعْنى الِاجْتِماعِ في وقْتِ الطُّهْرِ أتَمَّ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ فِيهِ أنَّ اسْمَ القُرْءِ لَمّا دَلَّ عَلى الِاجْتِماعِ فَأكْثَرُ أحْوالِ الرَّحِمِ اجْتِماعًا واشْتِمالًا في الدَّمِ آخِرُ الطُّهْرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ تَمْتَلِئْ بِذَلِكَ الفائِضِ لَما سالَتْ إلى الخارِجِ، فَمِن أوَّلِ الطُّهْرِ يَأْخُذُ في الِاجْتِماعِ والِازْدِيادِ إلى آخِرِهِ، والآخَرُ هو حالُ كَمالِ الِاجْتِماعِ، فَكانَ آخِرُ الطُّهْرِ هو القُرْءَ في الحَقِيقَةِ، وهَذا كَلامٌ بَيِّنٌ.