Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:226-227
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: (مِن نِسائِهِمْ) فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: المُتَعارَفُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ فُلانٌ عَلى كَذا أوْ آلى عَلى كَذا، فَلِمَ أُبْدِلَتْ لَفْظَةُ (عَلى) هاهُنا بِلَفْظَةِ (مِن) ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُرادَ: لَهم مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، كَما يُقالُ: لِي مِنكَ كَذا.
والثّانِي: أنَّهُ ضَمَّنَ في هَذا القَسَمِ مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَبْعُدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُوَلِّينَ أوْ مُقْسِمِينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّرَبُّصَ التَّلَبُّثُ والِانْتِظارُ، يُقالُ: تَرَبَّصْتُ الشَّيْءَ
صفحة ٧٠
تَرَبُّصًا، ويُقالُ: ما لِي عَلى هَذا الأمْرِ رُبْصَةٌ، أيْ تَلَبُّثٌ، وإضافَةُ التَّرَبُّصِ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ، كَقَوْلِهِ: بَيْنَهُما مَسِيرَةُ يَوْمٍ، أيْ مَسِيرَةٌ في يَوْمٍ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
أمّا قَوْلُهُ: (فَإنْ فاءُوا) فَمَعْناهُ: فَإنْ رَجَعُوا، والفَيْءُ في اللُّغَةِ هو رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، ولِهَذا قِيلَ لِما تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ مِنَ الظِّلِّ ثُمَّ يَعُودُ: فَيْءٌ، وفَرَّقَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ بَيْنَ الفَيْءِ والظِّلِّ، فَقالُوا: الفَيْءُ ما كانَ بِالعَشِيِّ؛ لِأنَّهُ الَّذِي نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والظِّلُّ ما كانَ بِالغَداةِ لِأنَّهُ لَمْ تَنْسَخْهُ الشَّمْسُ. وفي الجَنَّةِ ظِلٌّ ولَيْسَ فِيها فَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا شَمْسَ فِيها، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٣٠] وأنْشَدُوا: