Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:225
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْناهُ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ الحَلِفِ واليَمِينِ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِيادِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، لا شَكَّ أنَّهم يُكْثِرُونَ الحَلِفَ، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ حالَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الحَلِفَ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِيادِ في الكَلامِ، لا عَلى سَبِيلِ القَصْدِ إلى الحَلِفِ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِمْ ولا كَفّارَةَ؛ لِأنَّ إيجابَ المُؤاخَذَةِ والكَفّارَةِ عَلَيْهِمْ يُفْضِي إمّا إلى أنْ يَمْتَنِعُوا عَنِ الكَلامِ، أوْ يَلْزَمَهم في كُلِّ لَحْظَةٍ كَفّارَةٌ، وكِلاهُما حَرَجٌ في الدِّينِ، فَظَهَرَ أنَّ تَفْسِيرَ اللَّغْوِ بِما ذَكَرْناهُ هو المُناسِبُ لِما قَبْلَ الآيَةِ، فَأمّا الَّذِي قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يُناسِبُ ما قَبْلَ الآيَةِ، فَكانَ تَأْوِيلُ الشّافِعِيِّ أوْلى.
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ ﷺ: ”«مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» “ الحَدِيثُ دَلَّ عَلى وُجُوبِ الكَفّارَةِ عَلى الحانِثِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ المُجِدِّ والهازِلِ.