Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:225
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بِقَوْمٍ يَنْتَضِلُونَ ومَعَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصَبْتَ واللَّهِ. ثُمَّ أخْطَأ، ثُمَّ قالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: حَنِثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ ﷺ: ”كُلُّ أيْمانِ الرُّماةِ لَغْوٌ، لا كَفّارَةَ فِيها ولا عُقُوبَةَ» “ . وعَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أيْمانُ اللَّغْوِ ما كانَ في الهَزْلِ والمِراءِ والخُصُومَةِ الَّتِي لا يُعْقَدُ عَلَيْها القَلْبُ. وأثَرُ الصَّحابِيِّ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ حُجَّةٌ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ كالمُقابِلِ المُضادِّ لِما يَحْصُلُ بِسَبَبِ كَسْبِ القَلْبِ، ولَكِنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ هو الَّذِي يَقْصِدُهُ الإنْسانُ عَلى الجِدِّ ويَرْبُطُ قَلْبَهُ بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّغْوُ الَّذِي هو كالمُقابِلِ لَهُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ ما لا يَقْصِدُهُ الإنْسانُ بِالجِدِّ، ولا يَرْبُطُ قَلْبَهُ بِهِ، وذَلِكَ هو قَوْلُ النّاسِ عَلى سَبِيلِ التَّعَوُّدِ في الكَلامِ: لا واللَّهِ، بَلى واللَّهِ، فَأمّا إذا حَلَفَ عَلى شَيْءٍ بِالجِدِّ أنَّهُ كانَ حاصِلًا ثُمَّ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ قَصَدَ الإنْسانُ بِذَلِكَ اليَمِينِ تَصْدِيقَ قَوْلِ نَفْسِهِ ورَبْطَ قَلْبِهِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَغْوًا البَتَّةَ، بَلْ كانَ حاصِلًا بِكَسْبِ القَلْبِ.