Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:223
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الجِماعِ، وهو في غايَةِ البُعْدِ، والَّذِي عِنْدِي فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ جارٍ مَجْرى التَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِ إباحَةِ الوَطْءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ النِّسْوانُ إنَّما حَكَمَ الشَّرْعُ بِإباحَةِ وطْئِهِنَّ لَكم لِأجْلِ أنَّهُنَّ حَرْثٌ لَكم؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ يَتَوَلَّدُ الوَلَدُ مِنها، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ: لَمّا كانَ السَّبَبُ في إباحَةِ وطْئِها لَكم حُصُولَ الحَرْثِ، فَأْتُوا حَرْثَكم، ولا تَأْتُوا غَيْرَ مَوْضِعِ الحَرْثِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ دَلِيلًا عَلى الإذْنِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، والمَنعِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَلَمّا اشْتَمَلَتِ الآيَةُ عَلى الإذْنِ في أحَدِ المَوْضِعَيْنِ، والمَنعِ عَنِ المَوْضِعِ الآخَرِ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: لا تَكُونُوا في قَيْدِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، بَلْ كُونُوا في قَيْدِ تَقْدِيمِ الطّاعَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (واتَّقُوا اللَّهَ) ثُمَّ أكَّدَهُ ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾، وهَذِهِ التَّهْدِيداتُ الثَّلاثَةُ المُتَوالِيَةُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها إلّا إذا كانَتْ مَسْبُوقَةً بِالنَّهْيِ عَنْ شَيْءٍ لَذِيذٍ مُشْتَهًى، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ دالٌّ عَلى تَحْرِيمِ هَذا العَمَلِ، وما بَعْدَها أيْضًا دالٌّ عَلى تَحْرِيمِهِ، فَظَهَرَ أنَّ المَذْهَبَ الصَّحِيحَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُجْتَهِدِينَ.