Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:223
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أجابَ الأوَّلُونَ فَقالُوا: الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إتْيانَ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتى وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَرْثَ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الحِراثَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرادَ بِجَمِيعِ أجْزائِها لَيْسَتْ مَوْضِعًا لِلْحِراثَةِ، فامْتَنَعَ إطْلاقُ اسْمِ الحَرْثِ عَلى ذاتِ المَرْأةِ، ويَقْتَضِي هَذا الدَّلِيلُ أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الحَرْثِ عَلى ذاتِ المَرْأةِ، إلّا أنّا تَرَكْنا العَمَلَ بِهَذا الدَّلِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ هَهُنا بِإطْلاقِ لَفْظِ الحَرْثِ عَلى ذاتِ المَرْأةِ، فَحَمَلْنا ذَلِكَ عَلى المَجازِ المَشْهُورِ مِن تَسْمِيَةِ كُلِّ الشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ، وهَذِهِ الصُّورَةُ مَفْقُودَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ الحَرْثِ هَهُنا عَلى مَوْضِعِ الحِراثَةِ عَلى التَّعْيِينِ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها إلّا عَلى إتْيانِ النِّساءِ في المَأْتى.
صفحة ٦٣
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى ما ذَكَرُوهُ؛ لَمّا بَيَّنّا أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِمّا ذَكَرُوهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ .
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَلَوْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى التَّجْوِيزِ لَكانَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلى التَّحْلِيلِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، والأصْلُ أنَّهُ لا يَجُوزُ.