Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:222
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المَحِيضِ الحَيْضُ أنَّهُ قالَ: (هو أذًى) أيِ المَحِيضُ أذًى، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَحِيضِ المَوْضِعَ لَما صَحَّ هَذا الوَصْفُ.
قُلْنا: بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَحِيضُ عِبارَةً عَنِ الحَيْضِ، فالحَيْضُ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِأذًى؛ لِأنَّ الحَيْضَ عِبارَةٌ عَنِ الدَّمِ المَخْصُوصِ، والأذى كَيْفِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهو عَرَضٌ، والجِسْمُ لا يَكُونُ نَفْسَ العَرَضِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا: المُرادُ مِنهُ أنَّ الحَيْضَ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ أذًى، وإذا جازَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَنا أيْضًا أنْ نَقُولَ: المُرادُ أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ ذُو أذًى، وأيْضًا لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَحِيضِ الأوَّلِ هو الحَيْضَ، ومِنَ المَحِيضِ الثّانِي مَوْضِعَ الحَيْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الإشْكالِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو أذًى﴾ فَقالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: أيْ قَذَرٌ، واعْلَمْ أنَّ الأذى في اللُّغَةِ ما يُكْرَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ الِاعْتِزالُ التَّنَحِّي عَنِ الشَّيْءِ، قَدَّمَ ذِكْرَ العِلَّةِ وهو الأذى، ثُمَّ رَتَّبَ الحُكْمَ عَلَيْهِ، وهو وُجُوبُ الِاعْتِزالِ.
فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ الأذى إلّا الدَّمَ وهو حاصِلٌ وقْتَ الِاسْتِحاضَةِ، مَعَ أنَّ اعْتِزالَ المَرْأةِ في الِاسْتِحاضَةِ غَيْرُ واجِبٍ، فَقَدِ انْتَقَضَتْ هَذِهِ العِلَّةُ.