Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:222
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولَوْ فَتَحَهُما جَمِيعًا أوْ كَسَرَهُما في المَصْدَرِ والِاسْمِ لَجازَ، تَقُولُ العَرَبُ: المَعاشُ والمَعِيشُ، والمَغابُ والمَغِيبُ، والمَسارُ والمَسِيرُ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ المَحِيضِ حَقِيقَةٌ في مَوْضِعِ الحَيْضِ، وهو أيْضًا اسْمٌ لِنَفْسِ الحَيْضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ المُفَسِّرِينَ مِنَ الأُدَباءِ زَعَمُوا أنَّ المُرادَ بِالمَحِيضِ هَهُنا الحَيْضُ، وعِنْدِي أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ بِالمَحِيضِ هَهُنا الحَيْضَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ مَعْناهُ: فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في الحَيْضِ، ويَكُونُ المُرادُ فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في زَمانِ الحَيْضِ، فَيَكُونُ ظاهِرُهُ مانِعًا مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِها فِيما فَوْقَ السُّرَّةِ ودُونَ الرُّكْبَةِ، ولَمّا كانَ هَذا المَنعُ غَيْرَ ثابِتٍ لَزِمَ القَوْلُ بِتَطَرُّقِ النَّسْخِ أوِ التَّخْصِيصِ إلى الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ، أمّا إذا حَمَلْنا المَحِيضَ عَلى مَوْضِعِ الحَيْضِ كانَ مَعْنى الآيَةِ: فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في مَوْضِعِ الحَيْضِ، ويَكُونُ المَعْنى: فاعْتَزِلُوا مَوْضِعَ الحَيْضِ مِنَ النِّساءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَتَطَرَّقُ إلى الآيَةِ نَسْخٌ ولا تَخْصِيصٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ اللَّفْظَ إذا كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، وكانَ حَمْلُهُ عَلى أحَدِهِما يُوجِبُ مَحْذُورًا وعَلى الآخَرِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ المَحْذُورَ، فَإنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى المَعْنى الَّذِي لا يُوجِبُ المَحْذُورَ أوْلى، هَذا إذا سَلَّمْنا أنَّ لَفْظَ المَحِيضِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَوْضِعِ وبَيْنَ المَصْدَرِ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا اللَّفْظِ في المَوْضِعِ أكْثَرُ وأشْهَرُ مِنهُ في المَصْدَرِ.