Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:221
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائِدَةِ: ٧٣] فَهَذا التَّثْلِيثُ إمّا أنْ يَكُونَ لِاعْتِقادِهِمْ وُجُودَ صِفاتٍ ثَلاثَةٍ، أوْ لِاعْتِقادِهِمْ وُجُودَ ذَواتٍ ثَلاثَةٍ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا غَيْرُ المَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ قادِرًا ومِن كَوْنِهِ حَيًّا، وإذا كانَتْ هَذِهِ المَفْهُوماتُ الثَّلاثَةُ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِها، كانَ القَوْلُ بِإثْباتِ صِفاتٍ ثَلاثَةٍ مِن ضَرُوراتِ دِينِ الإسْلامِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَكْفِيرُ النَّصارى بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ تَعالى إنَّما كَفَّرَهم؛ لِأنَّهم أثْبَتُوا ذَواتًا ثَلاثَةً قَدِيمَةً مُسْتَقِلَّةً، ولِذَلِكَ فَإنَّهم جَوَّزُوا في أُقْنُومِ الكَلِمَةِ أنْ يَحِلَّ في عِيسى، وجَوَّزُوا في أُقْنُومِ الحَياةِ أنْ يَحِلَّ في مَرْيَمَ، ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المُسَمّاةَ عِنْدَهم بِالأقانِيمِ ذَواتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها، لَمّا جَوَّزُوا عَلَيْها الِانْتِقالَ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ، فَثَبَتَ أنَّهم قائِلُونَ بِإثْباتِ ذَواتٍ قائِمَةٍ بِالنَّفْسِ قَدِيمَةٍ أزَلِيَّةٍ، وهَذا شِرْكٌ، وقَوْلٌ بِإثْباتِ الآلِهَةِ، فَكانُوا مُشْرِكِينَ، وإذا ثَبَتَ دُخُولُهم تَحْتَ اسْمِ المُشْرِكِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ اليَهُودِيُّ كَذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.