Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:219
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الإنْفاقِ هو الإنْفاقُ عَلى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ، وهو الصَّدَقَةُ، واحْتَجَّ هَذا القائِلُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَفْرُوضًا لَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى مِقْدارَهُ، فَلَمّا لَمْ يُبَيِّنْ بَلْ فَوَّضَهُ إلى رَأْيِ المُخاطَبِ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ.
وأُجِيبُ عَنْهُ: بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُوجِبَ اللَّهُ شَيْئًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ يَذْكُرُ تَفْصِيلَهُ وبَيانَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ فَمَعْناهُ أنِّي بَيَّنْتُ لَكُمُ الأمْرَ فِيما سَألْتُمْ عَنْهُ مِن وُجُوهِ الإنْفاقِ ومَصارِفِهِ فَهَكَذا أُبَيِّنُ لَكم في مُسْتَأْنَفِ أيّامِكم جَمِيعَ ما تَحْتاجُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ.
والثّانِي: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ فَيُعَرِّفُكم أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ فِيهِما مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَضارٌّ في الآخِرَةِ، فَإذا تَفَكَّرْتُمْ في أحْوالِ الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلِمْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَرْجِيحِ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا.
الثّالِثُ: يُعَرِّفُكم أنَّ إنْفاقَ المالِ في وُجُوهِ الخَيْرِ لِأجْلِ الآخِرَةِ وإمْساكَهُ لِأجْلِ الدُّنْيا فَتَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وتَعْلَمُونَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَرْجِيحِ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا.