Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:218
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هاجَرُوا﴾ أيْ فارَقُوا أوْطانَهم وعَشائِرَهم، وأصْلُهُ مِنَ الهَجْرِ الَّذِي هو ضِدُّ الوَصْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَلامِ القَبِيحِ: هُجْرٌ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُهْجَرَ، والهاجِرَةُ وقْتٌ يُهْجَرُ فِيهِ العَمَلُ، والمُهاجَرَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الهِجْرَةِ، وجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ الأحْبابَ والأقارِبَ هَجَرُوهُ بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ، وهو أيْضًا هَجَرَهم بِهَذا السَّبَبِ، فَكانَ ذَلِكَ مُهاجَرَةً، وأمّا المُجاهَدَةُ فَأصْلُها مِنَ الجَهْدِ الَّذِي هو المَشَقَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المُجاهَدَةِ أنْ يَضُمَّ جُهْدَهُ إلى جُهْدٍ آخَرَ في نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ، كَما أنَّ المُساعَدَةَ عِبارَةٌ عَنْ ضَمِّ الرَّجُلِ ساعِدَهُ إلى ساعِدٍ آخَرَ لِيَحْصُلَ التَّأْيِيدُ والقُوَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجاهَدَةِ بَذْلَ الجُهْدِ في قِتالِ العَدُوِّ، وعِنْدَ فِعْلِ العَدُوِّ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ مُفاعَلَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الرَّجاءُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ ظَنِّ المَنافِعِ الَّتِي يَتَوَقَّعُها، وأرادَ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ أنَّهم يَطْمَعُونَ في ثَوابِ اللَّهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ما كانَ قاطِعًا بِالفَوْزِ والثَّوابِ في عَمَلِهِ، بَلْ كانَ يَتَوَقَّعُهُ ويَرْجُوهُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ جُعِلَ الوَعْدُ مُطْلَقًا بِالرَّجاءِ، ولَمْ يَقَعْ بِهِ كَما في سائِرِ الآياتِ ؟
قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ: