Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:217
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ حُرْمَةُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ هَلْ بَقِيَ أمْ نُسِخَ فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أنَّهُ قالَ: حَلَفَ لِي عَطاءٌ بِاللَّهِ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ الغَزْوُ في الحَرَمِ، ولا في الأشْهُرِ الحُرُمِ، إلّا عَلى سَبِيلِ الدَّفْعِ، رَوى جابِرٌ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو في الشَّهْرِ الحَرامِ إلّا أنْ يُغْزى» . وسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: هَلْ يَصْلُحُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُقاتِلُوا الكُفّارَ في الشَّهْرِ الحَرامِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والنّاسُ بِالثُّغُورِ اليَوْمَ جَمِيعًا عَلى هَذا القَوْلِ يَرَوْنَ الغَزْوَ مُباحًا في الشُّهُورِ كُلِّها، ولَمْ أرَ أحَدًا مِن عُلَماءِ الشّامِ والعِراقِ يُنْكِرُهُ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ حَسَبُ قَوْلِ أهْلِ الحِجازِ.
والحُجَّةُ في إباحَتِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٥] وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِتَحْرِيمِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هَذا نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ، فَيَتَناوَلُ فَرْدًا واحِدًا، ولا يَتَناوَلُ كُلَّ الأفْرادِ، فَهَذِهِ الآيَةُ لا دَلالَةَ فِيها عَلى تَحْرِيمِ القِتالِ مُطْلَقًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فِيهِ.
* * *