Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:216
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٤
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يُؤْمَرُ بِقِتالِ الكافِرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ فَإنَّ هَذا يُشْعِرُ بِكَوْنِ المُؤْمِنِ كارِهًا لِحُكْمِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَكُونُ ساخِطًا لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ، بَلْ يَرْضى بِذَلِكَ ويُحِبُّهُ ويَتَمَسَّكُ بِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ صَلاحُهُ، وفي تَرْكِهِ فَسادُهُ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكُرْهِ، كَوْنَهُ شاقًّا عَلى النَّفْسِ، والمُكَلَّفُ وإنْ عَلِمَ أنَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَهو صَلاحُهُ، لَكِنْ لا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ ثَقِيلًا شاقًّا عَلى النَّفْسِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ عِبارَةٌ عَنْ إلْزامِ ما في فِعْلِهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنْ أعْظَمَ ما يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ الحَياةُ، فَلِذَلِكَ أشَقُّ الأشْياءِ عَلى النَّفْسِ القِتالُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ كَراهَتَهم لِلْقِتالِ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ لِما فِيهِ مِنَ الخَوْفِ ولِكَثْرَةِ الأعْداءِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ مِنَ القِتالِ خَيْرٌ لَكم مِن تَرْكِهِ؛ لِئَلّا تَكْرَهُونَهُ بَعْدَ أنْ فُرِضَ عَلَيْكم.