Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:216
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: بَلْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ واجِبًا عَلى الأعْيانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ أيْ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِكم كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ حُجَّةُ عَطاءٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ﴾ يَقْتَضِي الإيجابَ، ويَكْفِي في العَمَلِ بِهِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الخِطابِ بِالمَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، إلّا أنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٣] حالُ المَوْجُودِينَ فِيهِ كَحالِ مَن سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِدَلالَةٍ مُنْفَصِلَةٍ، وهي الإجْماعُ، وتِلْكَ الدَّلالَةُ مَفْقُودَةٌ هَهُنا، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَلى الوَضْعِ الأصْلِيِّ، قالُوا: ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحَدِيدِ: ١٠] ولَوْ كانَ القاعِدُ مُضَيِّعًا فَرْضًا لَما كانَ مَوْعُودًا بِالحُسْنى، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: الفَرْضُ كانَ ثابِتًا ثُمَّ نُسِخَ، إلّا أنَّ التِزامَ القَوْمِ بِالنَّسْخِ مِن غَيْرِ أنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] والقَوْلُ بِالنَّسْخِ غَيْرُ جائِزٍ عَلى ما بَيَّنّاهُ، والإجْماعُ اليَوْمَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّهُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، إلّا أنْ يَدْخُلَ المُشْرِكُونَ دِيارَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ الجِهادُ حِينَئِذٍ عَلى الكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.