Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:215
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي أخْرَجَ الإنْسانَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ في الحَقِيقَةِ، والوالِدانِ هُما اللَّذانِ أخْرَجاهُ إلى عالَمِ الوُجُودِ في عالَمِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ حَقَّهُما أعْظَمُ مِن حَقِّ غَيْرِهِما؛ فَلِهَذا أوْجَبَ تَقْدِيمَهُما عَلى غَيْرِهِما في رِعايَةِ الحُقُوقِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بَعْدَ الوالِدَيْنِ الأقْرَبِينَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَقُومَ بِمَصالِحِ جَمِيعِ الفُقَراءِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يُرَجِّحَ البَعْضَ عَلى البَعْضِ، والتَّرْجِيحُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، والقُرابَةُ تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلتَّرْجِيحِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ القَرابَةَ مَظِنَّةُ المُخالَطَةِ، والمُخالَطَةُ سَبَبٌ لِاطِّلاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى حالِ الآخَرِ، فَإذا كانَ أحَدُهُما غَنِيًّا والآخَرُ فَقِيرًا كانَ اطِّلاعُ الفَقِيرِ عَلى الغَنِيِّ أتَمَّ، واطِّلاعُ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ أتَمَّ، وذَلِكَ مِن أقْوى الحَوامِلِ عَلى الإنْفاقِ.
وثانِيها: أنَّهُ لَوْ لَمْ يُراعِ جانِبَ الفَقِيرِ، احْتاجَ الفَقِيرُ لِلرُّجُوعِ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ عارٌ وسَيِّئَةٌ في حَقِّهِ، فالأوْلى أنْ يَتَكَفَّلَ بِمَصالِحِهِمْ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ.