# Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:214

Source : Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — Fakhr al-Din al-Razi
Type : Tafsir
Lien : https://caht.site/p/192788

## Texte arabe

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ حُرِّكُوا بِأنْواعِ البَلايا والرَّزايا، قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الزَّلْزَلَةِ في اللُّغَةِ مِن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ، فَإذا قُلْتَ: زَلْزَلْتُهُ فَتَأْوِيلُهُ أنَّكَ كَرَّرْتَ تِلْكَ الإزالَةَ فَضُوعِفَ لَفْظُهُ بِمُضاعَفَةِ مَعْناهُ، وكُلُّ ما كانَ فِيهِ تَكْرِيرٌ كُرِّرَتْ فِيهِ فاءُ الفِعْلِ، نَحْوُ صَرَّ وصَرْصَرَ، وصَلَّ وصَلْصَلَ، وكَفَّ وكَفْكَفَ، وأقَلَّ الشَّيْءَ، أيْ رَفَعَهُ مِن مَوْضِعِهِ، فَإذا كُرِّرَ قِيلَ: قَلْقَلَ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ﴿وزُلْزِلُوا﴾ هَهُنا بِخُوِّفُوا، وحَقِيقَتُهُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخائِفَ لا يَسْتَقِرُّ بَلْ يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ ذَلِكَ إلّا في الخَوْفِ المُقِيمِ المُقْعِدِ؛ لِأنَّهُ يُذْهِبُ السُّكُونَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ زُلْزِلُوا هَهُنا مَجازًا، والمُرادُ: خُوِّفُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا مُضْطَرِبِينَ لا يَسْتَقِرُّونَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ والخَوْفِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ ذَكَرَ شَيْئًا آخَرَ وهو النِّهايَةُ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الضُّرِّ والبُؤْسِ والمِحْنَةِ، فَقالَ: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَكُونُونَ في غايَةِ الثَّباتِ والصَّبْرِ وضَبْطِ النَّفْسِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، فَإذا لَمْ يَبْقَ لَهم صَبْرٌ حَتّى ضَجُّوا، كانَ ذَلِكَ هو الغايَةَ القُصْوى في الشِّدَّةِ، فَلَمّا بَلَغَتْ بِهِمُ الشِّدَّةُ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ قِيلَ لَهم: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إجابَةً لَهم إلى طَلَبِهِمْ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: هَكَذا كانَتْ حالُهم إلى أنْ أتاهم نَصْرُ اللَّهِ ولَمْ يُغَيِّرْهم طُولُ البَلاءِ عَنْ دِينِهِمْ، وأنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ كُونُوا عَلى ذَلِكَ وتَحَمَّلُوا الأذى والمَشَقَّةَ في طَلَبِ الحَقِّ، فَإنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ؛ لِأنَّهُ آتٍ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٢] وقالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٢] والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْنا أنَّ أصْحابَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَنالُهُمُ الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ واليَهُودِ، ولَمّا أُذِنَ لَهم في القِتالِ نالَهم مِنَ الجِراحِ وذَهابِ الأمْوالِ والنُّفُوسِ ما لا يَخْفى، فَعَزّاهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ وبَيَّنَ أنَّ حالَ مَن قَبْلَهم في طَلَبِ الدِّينِ كانَ كَذَلِكَ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وذَكَرَ اللَّهُ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإلْقائِهِ في النّارِ، ومِن أمْرِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما ابْتَلاهُ اللَّهُ بِهِ، ومِن أمْرِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مُصابَرَتِهِمْ عَلى أنْواعِ البَلاءِ ما 

---
Cité depuis caht (https://caht.site) : moteur de recherche de références islamiques. Citez la référence exacte et le lien ci-dessus.
