Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:213
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ فَهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ إيتاءُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ الكِتابَ كانَ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّناتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ البَيِّناتُ مُغايِرَةً لا مَحالَةَ لِإيتاءِ الكِتابِ، وهَذِهِ البَيِّناتُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها عَلى شَيْءٍ سِوى الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى عَلى إثْباتِ الأُصُولِ الَّتِي لا يُمْكِنُ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ: كُلُّ ما لا يَصِحُّ إثْباتُ النُّبُوَّةِ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَذَلِكَ لا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ وإلّا وقَعَ الدَّوْرُ، بَلْ لا بُدَّ مِن إثْباتِها بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَهَذِهِ الدَّلائِلُ هي البَيِّناتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى إيتاءِ اللَّهِ الكُتُبَ إيّاهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّ الدَّلائِلَ إمّا سَمْعِيَّةٌ وإمّا عَقْلِيَّةٌ، أمّا السَّمْعِيَّةُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِإيتاءِ الكِتابِ، وأمّا العَقْلِيَّةُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِالبَيِّناتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى إيتاءِ الكِتابِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّتِ البَيِّناتُ ولَمْ يَبْقَ في العُدُولِ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ، فَلَوْ حَصَلَ الإعْراضُ والعُدُولُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ الحَسَدِ والبَغْيِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ الدُّنْيا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤] .