Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:212
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وخامِسُها: أرادَ أنَّ الَّذِي يُعْطى لا نِسْبَةَ لَهُ إلى ما في الخِزانَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُعْطى في كُلِّ وقْتٍ يَكُونُ مُتَناهِيًا لا مَحالَةَ، والَّذِي في خِزانَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهٍ، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، وهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا نِهايَةَ لِمَقْدُوراتِ اللَّهِ تَعالى.
وسادِسُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، يُقالُ: لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ حِسابٌ، إذا كانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أحَدٌ شَيْئًا، ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ حِسابٌ، بَلْ كُلُّ ما أعْطاهُ فَقَدْ أعْطاهُ بِمُجَرَّدِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ.
وسابِعُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يُنْفِقُ بِالحِسابِ إذا كانَ لا يَزِيدُ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ، فَأمّا إذا زادَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ يُقالُ: يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
وثامِنُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ يُعْطِي كَثِيرًا؛ لِأنَّ ما دَخَلَهُ الحِسابُ فَهو قَلِيلٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ كُلَّها مُحْتَمَلَةٌ وعَطايا اللَّهِ لَها مُنْتَظِمَةٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّها، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ما يُعْطِي في الدُّنْيا أصْنافَ عِبادِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَفِيهِ وُجُوهٌ: