Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:210
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ السّادِسُ: وهو أوْضَحُ عِنْدِي مِن كُلِّ ما سَلَفَ: أنّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ اليَهُودِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يَكُونُ خِطابًا مَعَ اليَهُودِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَقْبَلُونَ دِينَكَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ، ألا تَرى أنَّهم فَعَلُوا مَعَ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٥٥] وإذا كانَ هَذا حِكايَةً عَنْ حالِ اليَهُودِ ولَمْ يَمْنَعْ إجْراءَ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا عَلى مَذْهَبِ التَّشْبِيهِ، وكانُوا يُجَوِّزُونَ عَلى اللَّهِ المَجِيءَ والذَّهابَ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى تَجَلّى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الطَّوْرِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وطَلَبُوا مِثْلَ ذَلِكَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذا الكَلامُ حِكايَةً عَنْ مُعْتَقَدِ اليَهُودِ القائِلِينَ بِالتَّشْبِيهِ، فَلا يُحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّأْوِيلِ، ولا إلى حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ، وبِالجُمْلَةِ فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَنْتَظِرُونَ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُحِقُّونَ في ذَلِكَ الِانْتِظارِ أوْ مُبْطِلُونَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ الإشْكالُ.