Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:210
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ ولا شَكَّ أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ جَرى ذِكْرُ أمْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ حَتّى تَكُونَ الألِفُ واللّامُ إشارَةً إلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا الَّذِي أضْمَرْناهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: أمْرُ اللَّهِ عِنْدَكم صِفَةٌ قَدِيمَةٌ، فالإتْيانُ عَلَيْها مُحالٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ أصْواتٌ فَتَكُونُ أعْراضًا، فالإتْيانُ عَلَيْها أيْضًا مُحالٌ.
قُلْنا: الأمْرُ في اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما الفِعْلُ والشَّأْنُ والطَّرِيقُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القَمَرِ: ٥٠] ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هُودٍ: ٩٧] وفي المَثَلِ: لِأمْرٍ ما جَدَعَ قَصِيرٌ أنْفَهُ، لِأمْرٍ ما يَسُودُ مَن يَسُودُ، فَيُحْمَلُ الأمْرُ هَهُنا عَلى الفِعْلِ، وهو ما يَلِيقُ بِتِلْكَ المَواقِفِ مِنَ الأهْوالِ وإظْهارِ الآياتِ المُبَيِّنَةِ، وهَذا هو التَّأْوِيلُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأمّا حَمْلُنا الأمْرَ عَلى الأمْرِ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أنَّ مُنادِيًا يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ: ألا إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم بِكَذا وكَذا، فَذاكَ هو إتْيانُ الأمْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ أيْ مَعَ ظُلَلٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ سَماعَ ذَلِكَ النِّداءِ ووُصُولَ تِلْكَ الظُّلَلِ يَكُونُ في زَمانٍ واحِدٍ.