Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:210
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أمْرُ اللَّهِ، ومَدارُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّهُ تَعالى إذا ذَكَرَ فِعْلًا وأضافَهُ إلى شَيْءٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ مُحالًا فالواجِبُ صَرْفُهُ إلى التَّأْوِيلِ، كَما قالَهُ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائِدَةِ: ٣٣] والمُرادُ يُحارِبُونَ أوْلِياءَهُ، وقالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] والمُرادُ: واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ المُرادُ بِهِ يَأْتِيهِمْ أمْرُ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفَجْرِ: ٢٢] المُرادُ: جاءَ أمْرُ رَبِّكَ، ولَيْسَ فِيهِ إلّا حَذْفُ المُضافِ، وإقامَةُ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ، وهو
صفحة ١٨٣
مَجازٌ مَشْهُورٌ، يُقالُ: ضَرَبَ الأمِيرُ فُلانًا، وصَلَبَهُ، وأعْطاهُ، والمُرادُ أنَّهُ أمَرَ بِذَلِكَ، لا أنَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ العَمَلَ بِنَفَسِهِ، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ القَوْلَ بِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ هَهُنا: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ إخْبارٌ عَنْ حالِ القِيامَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الواقِعَةَ بِعَيْنِها في سُورَةِ النَّحْلِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [النَّحْلِ: ٣٣] فَصارَ هَذا الحُكْمُ مُفَسِّرًا لِذَلِكَ المُتَشابِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا ورَدَتْ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَبْعُدْ حَمْلُ بَعْضِها عَلى البَعْضِ.