Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:210
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثامِنُها: لَوْ كانَ جِسْمًا مُتَحَيِّزًا لَكانَ مُشارِكًا لِسائِرِ الأجْسامِ في عُمُومِ الجِسْمِيَّةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ مُخالِفًا في خُصُوصِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وإمّا لا يَكُونُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ، فَعُمُومُ كَوْنِهِ جِسْمًا مُغايِرٌ لِخُصُوصِ ذاتِهِ المَخْصُوصَةِ، وهَذا مُحالٌ لِأنّا إذا وصَفْنا تِلْكَ الذّاتِ المَخْصُوصَةَ بِالمَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ جِسْمًا كُنّا قَدْ جَعَلْنا الجِسْمَ صِفَةً، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ الجِسْمَ ذاتُ الصِّفَةِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ تِلْكَ الذّاتَ المَخْصُوصَةَ الَّتِي هي مُغايِرَةٌ لِلْمَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ جِسْمًا وغَيْرَ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ جِسْمًا، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ ذاتُ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مُغايِرًا لِلْمَفْهُومِ مِنَ الجِسْمِ وغَيْرَ مَوْصُوفٍ بِهِ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ تَعالى جِسْمًا، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّ ذاتَهُ تَعالى بَعْدَ أنْ كانَتْ جِسْمًا لا يُخالِفُ سائِرَ الأجْسامِ في خُصُوصِيَّةٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَثَلًا لَها مُطْلَقًا، وكُلُّ ما صَحَّ عَلَيْها فَقَدْ صَحَّ عَلَيْهِ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الأجْسامُ مُحْدَثَةً وجَبَ في ذاتِهِ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، ولا بِمُتَحَيِّزٍ، وأنَّهُ لا يَصِحُّ المَجِيءُ والذَّهابُ عَلَيْهِ.
* * *
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ أهْلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: